حسن حسن زاده آملى

732

عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون

الآيات التي ذكرت النطفة وأطوارها الكمالية وتقلّباتها من صورة انقص إلى صورة أكمل ، ومن حال أدون إلى حال أعلى ، فالغرض من ذكرها اثبات أن لهذه الأطوار والتحوّلات غاية أخيرة . فللانسان توجه طبيعي نحو الكمال ، ودين آلهي فطري في التقرب إلى المبدء الفعّال والكمال اللائق بحال الانسان المخلوق أولا من هذه المواد الطبيعية والأركان لا يوجد في هذا العالم الأدنى ، بل في عالم الآخرة التي إليها الرجعي وفيها الغاية والمنتهى فبالضرورة إذا استوفى الإنسان جميع المراتب الخلقية الواقعة في حدود حركته الجوهرية الفطرية من الجمادية والنباتية والحيوانيّة وبلغ اشدّه الصوري وتمّ وجوده الدنيوي الحيواني فلا بد أن يتوجه نحو النشأة الآخرة ويخرج من القوة إلى الفعل ومن الدنيا إلى الأخرى ، ثم إلى المولى وهو غاية الغايات منتهى الأشواق والحركات ، وهو المراد من قوله : « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ » « 1 » إلى قوله : « وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ » « 2 » ، قبور الأجساد وقبور الأرواح اعني الأبدان . وكذا غيره من الآيات المذكورة فيها أطوار الخلقة وأكوان النطفة فان الغرض من الكل اثبات النشأة الآخرة للانسان من جهة ثبوت الغاية لوجوده وحركته الفطرية » . ثم تصدى صاحب الأسفار بعد كلامه هذا لبيان الآيات التي يستدلّ فيها على اثبات الآخرة بخلق الأجرام العظيمة بأن المراد من وجود الأكوان الأخروية انما هو من باب الانشاء بمجرد الجهات الفاعلية ، لا من باب التخليق من أصل مادي وجهات قابلية ، وكذلك انشاء الجنة والنار والأجسام الموعودة في الآخرة فلا يطلب للجنة والنار مكان خاص فان مكان الآخرة وزمانها ليس من جنس مكان الدنيا وزمانها . وقد تقدم نقل تمام كلامه في بيان تأويل من جعل النفس جسما في العين الرابعة . وبعد ما أفاد من أن الأجسام الأخروية لها نشأة أقوى حاصلة من الإنشاء والابداع بمجرّد الجهات الفاعلية من غير مادة من تخليقها من مزاج وامتزاج وتركيبها من اجزاء مختلفة حاصل بازدواج فان هذا شأن القوى والطبائع التي هي في الدرجة الأدنى من القصور في الفاعلية والتأثير ، تصدّى لتفسير قوله سبحانه : « وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » « 3 » بقوله :

--> ( 1 ) . الحج : 5 . ( 2 ) . الحج : 7 . ( 3 ) . الروم : 28 .